وردت لي عدة توضيحات وتعقيبات بشأن استملاك البيوت في الأحياء التراثية، ولقد بحثت في القوانين التي تؤكد التعقيب الأول:
أولاً: الأساس الدستوري للتعويض العادل
الأصل الدستوري المستقر أن: الملكية الخاصة مصونة، ولا يجوز نزعها إلا للمنفعة العامة، وبمقابل تعويض عادل.
والتعويض العادل لا يعني القيمة الدفترية أو السعر الإداري، بل يعني: القيمة السوقية الحقيقية وقت صدور قرار الاستملاك، مضافاً إليها كافة الأضرار المباشرة وغير المباشرة، وشاملاً ما يفوت المالك من كسب محتمل.
ثانياً: معايير تثمين العقار في منطقة المحرق لها خصوصية عقارية وسياحية وثقافية، ويجب أن يؤخذ في الاعتبار الأمور التالية:
- الموقع داخل النطاق التاريخي، من حيث قربه من مسار اللؤلؤ وارتباطه بالبيوت التراثية المُعاد تأهيلها،
- وقيمته الاستثمارية المستقبلية، ومن ذلك إدراج مسار اللؤلؤ ضمن قائمة التراث العالمي في المحرق، والمُسجل لدى اليونسكو، ما يمنح المنطقة قيمة ثقافية وسياحية عالمية.
وقابلية الاستثمار السياحي، كتحويله إلى بيت ضيافة، أو إلى نشاط ثقافي، أو مطعم تراثي، أو مشروع سياحي مدعوم حكومياً.
- الندرة العقارية، أي محدودية العقارات داخل النطاق التراثي.
- عدم وجود بدائل مكافئة في نفس المنطقة.
ثالثاً: هل التسجيل في اليونيسكو يضيف قيمة تثمينية؟
نعم، فالعقار في المناطق الأثرية سعرها أعلى بكثير من المناطق الأخرى، وبشكل قانوني ترتفع قيمتها من خلال:
- رفع القيمة السياحية والاستثمارية.
- دعم الدولة للمشاريع في النطاق نفسه.
- زيادة الطلب على العقارات التراثية.
- منح ميزات تنظيمية خاصة.
وعليه فإن: أي تثمين لا يأخذ في الاعتبار القيمة الثقافية والتراثية والاستثمارية المستقبلية، يُعدّ تثميناً منقوصاً ومخالفاً لمبدأ التعويض الكامل.
رابعاً: عند صدور قرار الاستملاك، وعند النظر في مشروعية التعويض يجب فحص:
- الغرض من الاستملاك، هل هو مشروع منفعة عامة حقيقي؟ أم مشروع استثماري يعود بعائد مالي للدولة؟
- العائد المتوقع من المشروع، اي إذا كان المشروع سياحياً أو استثمارياً، فلا يجوز أن تستفيد الجهة المستملكة من القيمة المستقبلية وتحرم المالك منها.
- علاقة السببية، أي إذا كان إدراج المنطقة تراثياً سبباً في ارتفاع القيمة، فلا يجوز تجاهل ذلك في التثمين.
خامساً: عناصر التعويض الواجب المطالبة بها عند الطعن في التثمين، يطالب بما يلي:
- القيمة السوقية الفعلية وقت الاستملاك.
- القيمة الاستثمارية المستقبلية.
أي أنه بعد خمس أو عشر سنوات سيصبح سعرها بالملايين.
- تعويض عن فقدان النشاط أو مصدر الدخل.
- تعويض عن الضرر الأدبي إن وجد، مثل
مصاريف الانتقال وشراء بديل مكافئ. واحتساب فروقات الأسعار في ذات النطاق الجغرافي.
سادساً: إذا كان العقار بيت ورثة أو مسكناً عائلياً، ففي هذه الحالة يدخل عنصر:
- الضرر النفسي والاجتماعي، وخاصة صعوبة توفير بديل في ذات المحيط. والقيمة المعنوية المرتبطة بالعقار. وهذا يعزز طلب زيادة التعويض.
الخلاصة القانونية:
إذا كان العقار في المحرق ضمن نطاق تراثي مسجّل عالمياً، محدود البدائل، ومشروع يحقق عائدا ماليا، فإن التعويض يجب أن يكون:
تعويضاً كاملاً شاملاً للقيمة السوقية الحالية، إضافة إلى القيمة الاستثمارية المستقبلية، إضافة إلى كافة الأضرار التابعة.
وكل هذه القوانين صدرت من جهات رسمية.
- التعقيب الثاني:
من لديه وثيقة عقار في المحرق، عليه أن يتأكد من البلديات، إذا عليها استملاك أم لا. وعلى المتضررين والمتظلمين اللجوء إلى ثلاث جهات:
شؤون البلديات، رئاسة مجلس الوزراء، والقضاء، من خلال رفع دعوى مستعجلة لإيقاف قرار الاستملاك، حتى لا يتم التصرف فيه.
وإذا صدر قرار الاستملاك في فترة أكثر من سنتين، فإن إجراءاتها تختلف. لأن رفع شكوى في المحكمة الدستورية رسومها مكلفة.
ونحن نتساءل: ماذا يفعل القاطنون في البيت المستملك؟ أين يذهبون؟ هل ينامون في الشوارع ؟ إن قيمة التعويض الحالية التي استلمها أغلب من تم استملاك بيوتهم زهيدة جداً، ولا يمكنهم بها شراء بيت آخر في أية منطقة في البحرين، في ظل ارتفاع أسعار العقارات الجنوني.
ونشير خاصة إلى بيوت الورثة، فإذا تم التثمين بقيمة ١٥٠ ألف دينار مثلاً، وكان عدد الورثة ستة، فإن نصيب كل منهم ٢٥ ألف دينار، وهو مبلغ لا يستطيع به حتى شراء شقة.
إن الأمر بحاجة إلى مراجعة شاملة من الجهات الرسمية، لكي لا يكون هناك أي ظلم واجحاف بحق المواطنين، ونتمنى أن يتم تطبيق هذه القوانين عملياً، لكي لا تكون حبراً على ورق.
---------------------------------
بقلم: د. أنيسة فخرو
* سفيرة المنظمة الأوروبية للسلام والنوايا الحسنة






